الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

140

شرح ديوان ابن الفارض

( ن ) : أي : حرف نداء . وصبا : منادى وهو ريح الصبا ، كناية عن عالم الأرواح الأمرية . وقوله سحرا وهو وقت نزول الرّبّ إلى سماء الدّنيا كما ورد في الخبر ، أي ظهوره متجليا بعالم المحسوسات . قال عفيف الدين التلمساني قدّس اللّه سرّه : أسكرت بان الحمى يا نسمة السّحر * فهل أتيت من الأحباب بالخبر وقوله من أين الخ . . . أي من عالم الكون ، أو من عالم العين المغيّبة عنّا . وقوله ريّان الكلا كناية عن الأسرار المحمدية ، والأنوار الأحمدية . وقوله حوذان كناية عن الجانب الإلهي الغيبي الذي لا يدرك ولا يترك ، وأضافه إلى كلّي كناية عن جوانب وادي الأكوان فإنها مظاهر تجليات الرحمن ، ومعنى ذلك أن هذه الرائحة لعلّها فاحت لدينا من أحد هذين الأمرين وليس بعد اللّه ورسوله عين هي أشرف عين وقوله عن فتاة الحيّ كناية عن الحضرة الأسمائية الإلهية التي مبدأها الاسم الحيّ وكونها فتاة أي ظاهرة في كل حين بتجلّ جديد فهي فتاة دائما . اه . سائلي ما شفّني في سائل الدّ مع لو شئت غنى عن شفتيّ « سائلي » : أي يا سائلي . « ما شفّني » : أي ما هزلني وصيّرني نحيلا . وقوله « في سائل الدمع » : أي في الدمع السائل . « لو شئت » بفتح تاء المخاطب : أي لو أردت أيها السائل وشئت علم حالي من غير محادثة لي في هذا الاستخبار لكان دمعي السائل يغنيك في إفادة الأمر الذي هزلني واستغنيت بذلك عن أخبار شفتيّ . الإعراب : سائلي : منادى مضاف ، حذف حرف ندائه . وقوله ما شفّني ، ما : مبتدأ ، وجملة شفني خبره . وقوله في سائل الدمع : خبر مقدّم . وغنى : مبتدأ مؤخر ، وجملة لو شئت معترضة بين المبتدأ والخبر . وعن شفتي : متعلق بغنى ، وأصل شفتي مثنى وأضيف إلى ياء المتكلّم فحذفت نون التثنية . والمعنى : يا من يسائلني عن الأمر العظيم الذي شفّني وأنحلني وصيّرني مهزولا لو شئت الاطّلاع على حقيقة حالي لا كتفيت في ذلك بهذا الدمع السائل واستغنيت به عن أخبار شفتي ونطقهما . وفي البيت الجناس التام بين سائلي وسائل ، والتقارب اللفظي بين شفّني وشفتيّ . وقد تلاعب الشعراء في أبياتهم بذكر الدمع وكونه يظهر الأسرار الخفيّة ويفضح المحبّين . ومن لطيف ما سمعت من ذلك قول العباس بن الأحنف ، وبهذه الأبيات قدّمه المؤمون الخليفة في الصلاة عليه مع وجود الإمام أبي يوسف والكسائي النحوي كما هو منقول في تاريخ ابن خلكان مفصّلا